محمد أبو زهرة
3481
زهرة التفاسير
قد كان الجزاء على العمل الصالح ، على المشقات التي تحملوها ، والجهود التي بذلوها من ظمأ قطّع رقابهم وأمعاءهم ، ومن جوع حرموا فيه من الزاد ، ووطء أرض العدو وما فيه من إذلال كما قال علي : ما وطئت أرض قوم إلا ذلوا ، ومن نيل نالوه منهم ، أما في هذه الآية فالجزاء على النفقة : صغيرة كانت ولو بسوط أو علاقته ، أو كبيرة كتجهيز عثمان جيش العسرة رضى اللّه عنه ، وإن السير في الفيافي والقفار ، ولو لم ينالوا ويطئوا أرض العدو هو ذاته له أجر وجزاء . قوله تعالى : وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً ، الوادي : المنفرج بين الجبلين ، ويراد به هنا الأرض ، لأن قطع الوادي لا يكون إلا بقطع الجبلين اللذين تعرج بينهما ، وقد قال الزمخشري : واديا أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم ، والوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل ، وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال ، ومنه الودي ، وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض يقولون لا تصل في وادى غيرك . لا ينفقون ولا يقطعون أرضا إلا كتب لهم بذلك عمل صالح يستحقون عليه جزاء ما عملوا ، ولذا قال تعالى : أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي كتب لهم ذلك ليعطيهم سبحانه وتعالى جزاء أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، وعبر عن الجزاء بالعمل ذاته وقال : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لبيان المساواة التامة بين أحسن العمل والجزاء ، وللإشارة إلى أن الجزاء ذاته مشتق من العمل فهو ثمرته ، وللّه تعالى الفضل والمنة . وقبل أن نترك الكلام في معاني هاتين الآيتين اللتين فيهما تحريض على الجهاد ننبه إلى أمرين : أولهما - أن قوله تعالى وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أن النيل في أصل معناه بمعنى الأذى الذي ينزل بالعدو ، ويقال نال منه بمعنى : نكبه بما يسوء ويلحق به ضررا .